الآلوسي
51
تفسير الآلوسي
هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء وليست بالتي وعد المتقون ، وقيل : هي جنة تأوي إليها الملائكة عليهم السلام والأول أظهر ، والمأوى على ما نص عليه الجمهور اسم مكان وإضافة الجنة إليه بيانية ، وقيل : من إضافة الموصوف إلى الصفة كما في مسجد الجامع ، وتعقب بأن اسم المكان لا يوصف به ، والجلمة حالية ، وقيل : الحال هو الظرف ، و * ( جنة ) * مرتفع به على الفاعلية ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وأبو الدرداء . وأبو هريرة . وابن الزبير . وأنس . وزر . ومحمد بن كعب . وقتادة : * ( جنة ) * بها الضمير وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ، وجن فعل ماض أي عندها سترة إيواء الله تعالى ، وجميل صنعه به ، أو ستره المأوى بظلاله ودخل فيه على أن * ( المأوى ) * مصدر ميمي ، أو اسم مكان ، وجنة بمعنى ستره ، قال أبو البقاء : شاذوا لمستعمل أجنة ، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها . وكذا جمع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين : من قرأ به فأجنة الله تعالى أي جعله مجنوناً أو أدخله الجنن وهو القبر ، وأنت تعلم أنه إذا صح أنه قرأ به الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه من أكابر الصحابة فليس لأحد رده من حيث الشذوذ في الاستعمال ، وعائشة قد حكى عنها الإجازة أيضاً . * ( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) * . * ( إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) * متعلق برآه ، وقيل : بما بعد من الجملة المنفية ولا يضر التقدم على * ( ما ) * النافية للتوسع في الظرف والغشيان بمعنى التغطية والستر ، ومنه الغواشي أو بمعنى الاتيان يقال فلان يغشى زيداً كل حين أي يأتيه . والأول هو الأليق بالمقام ، وفي إبهام * ( ما يغشى ) * من التفخيم ما لا يخفى فكأن الغاشي أمر لا يحيط به نطاق البيان ولا تسعه أردان الأذهان ، وصيغة المضارع لحاكية الحالة الماضية استحضاراً لصورتها البديعة ، وجوز أن يكون للإيذان باستمرار الغشيان بطريق التجدد ، وورد في بعض الأخبار تعيين هذا الغاشي ، فعن الحسن غشيها نور رب العزة جل شأنه فاستنارت . ونحوه ما روي عن أبي هريرة يغشاها نور الخلاق سبحانه ، وعن ابن عباس غشيها رب العزة عز وجل وهو من التشابه ، وقال ابن مسعود . ومجاهد . وإبراهيم : يغشاها جراد من ذهب ، وروي عن مجاهد أن ذلك تبدل أغصانها لؤلؤاً وياقوتاً وزبر جداً . وأخرج عبد بن حميد عن سلمة قال : استأذنت الملائكة الرب تبارك وتعالى أن ينظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لهم فغشيت الملائكة السدرة لينظروا إليه عليه الصلاة والسلام ، وفي حديث " رأيت على كل ورقة من ورقة ملكاً قائماً يسبح الله تعالى وقيل : يغشاها رفرف من طير خضر ، والإبهام على هذا كله على نحو ما تقدم . * ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) * . * ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ ) * أي ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه * ( وَمَا طَغَى ) * وما تجاوزه بل أثبته إثباتاً صحيحاً مستيقناً ، وهذا تحقيق للأمر ونفي لريب عنه ، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها إلى ما لم يؤمر برؤيته . * ( لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) * . * ( لَقَدْ رَأَى منْ آيات رَبِّه الْكُبْرَى ) * أي والله لقد رأى الآيات الكبرى من آياته تعالى وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج - فالكبرى - صفة موصوف محذوف مفعول لرأي أقيمت مقامه بعد حذفه وقدر مجموعاً ليطابق الواقع ، وجوز أن تكون * ( الكبرى ) * صفة المذكور على معنى ، و * ( لقدر رأى ) * بعضاً من الآيات الكبرى ، ورجح الأول بأن المقام يقتضي التعظيم والمبالغة فينبغي أن يصرح بأن المرأى الآيات الكبرى وجوز الوصفية المذكورة مع كون من مزيدة ، وأنت تعلم أن زيادة من في الإثبات ليس محمعاً على جوازه ، وجاء في بعض الأخبار تعيين ما رأى عليه الصلاة والسلام ، أخرج البخاري . وابن جرير . وابن المنذر . وجماعة عن ابن مسعود أنه قال في